تراكوتا دومييه..أصالة المصدر و تدفق الإبداع

  • محمد عبد السلام هلال, مدرس بقسم التصوير (تخصص تاريخ الفن ) كلي

Abstract

     منذ أن تأسست أول أكاديمية لتعليم الفنون على يد عائلة "كاراتشى" فى بولونيا فى القرن السابع عشر، التزم الأكاديميون بقاعدة أساسية مفادها أن الطبيعة- والطبيعة وحدها- هى المصدر الأساسى لإنجاز العمل الفنى، وأصبح المعيار الأول لمهارة الفنان هو مدى محاكاته لما يراه حوله من عناصر تمده بها الطبيعة.

     كما كان لزاما على الدارس أن يقوم بدراسة الجسم البشرى ونسبه وأوضاعه الحركية وذلك من خلال النقل عن المنحوتات الكلاسيكية التى تنتمى للتراث اليونانى و التراث الرومانى دون غيرهما، باعتبارهما هما "النموذج" الذى يجب على الفنان أن يلتزم به، حتى حين لجأ الفنان للنموذج البشرى الطبيعى كان عليه أن يلتزم بما أرسته تقاليد النحت فى هاتين الحضارتين من مقاييس ونسب وأشكال، وهكذا.. ظلت الفنون فى أوروبا تدور فى فلك واحد ، يكاد يكون ثابتا، اعتمادا على الالتزام بما تمليه عليه الطبيعة وما يستقيه- كدارس- من التعاليم الأكاديمية التى أبقته قيد النقل- الحرفى تقريبا- لما حوله.

 

     وفى بواكير القرن التاسع عشر، ومع تغير المجريات السياسية وتفاقم الأوضاع غير المستقرة فى فرنسا، وظهور الكتابات الاشتراكية التى تدعو لإعادة هيكلة المجتمعات بحيث تـُمنح السلطة للطبقات العاملة بديلا عن الطبقة الأرستقراطية المتسيدة لقرون فى أوروبا (مثل كتابات بودلير وفيكتور هوجو وغيرهما)، علاوة على انتشار الصحافة وازدهار فنون المطبوعات الدورية كالصحف والمجلات وما كان تتطلبه من أنماط فنية معينة تساير الأحداث بحيث تحقق الانتشار والتوزيع المطلوب، مع كل هذا كان صعود التيار الواقعى فى الفن، لتحل النماذج الحيايتة اليومية فى الشوارع والأسواق والحانات محل النماذج المترفة التى يجب إخضاعها لفكرة "المثال" ، ولعل الفنان هونوريه دومييه كان واحدا من أهم مبدعى هذا الاتجاه، ليس فقط لأنه استطاع أن يحقق متطلبات ذلك الاتجاه بما تميز به من غزارة الإنتاج و الروح الساخرة الناقدة، لكن- أيضا- لأنه استطاع التحرك خارج حيز المثال التقليدى المعتاد، استطاع ذلك الفنان مع تنوع مهاراته وقدراته الاستثنائية فى النحت والتصوير أن يصنع نموذجا خاصا، يضاهى به الواقع، ويحمّـله بكل الشحنة الانفعالية اللحظية، ويتجاوز ذلك كله ليجعل من مثاله الخاص مصدرا للعديد من الأعمال الفنية له ولغيره من الفنانين.

    والبحث التالى هو محاولة لتناول فن النحت لدى دومييه، لا لكونه إبداعا فى مجال تشكيلى وحسب ، ولكن لكونه يمثل حالة متفردة لفنان سعى لصياغة مصدره بنفسه، بحيث تصبح التجربة الإبداعية لديه نقية لا تشوبها شبهة التقليد المحض أو مجرد التحريف المصطنع للمثال، وكذلك تتبع أثر ذلك على إبداعات دومييه فى المجالات الإبداعية الأخرى وإبداعات معاصريه و تابعيه من الفنانين ، كل ذلك فى سبيل إلقاء الضوء على مبدع لم يلق ما يستحق من الاهتمام والتأريخ فى تاريخ الفنون الأوروبية بشكل خاص وحركة الفن العالمى بشكل عام.

Published
2015-06-15
Section
Articles